دخول مدرسي مرتبك بالأقسام التحضيرية


 

دخول مدرسي مرتبك بالأقسام التحضيرية

ذ. الرغاوي عبد العزيز


تشهد معظم الأقسام التحضيرية لمدارس المهندسين العليا هذه الأيام فوضى غير مسبوقة، فمنذ 5 شتنبر الذي كان بداية السنة الدراسية 2022-2023 الحالية والأوضاع بهذه المراكز تعرف اضطرابا وارتباكا لاحدود لهما نتيجة القرارات الارتجالية التي اعتمدها مسيرو المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب دونما استشارة أو تنسيق مسبقين مع المشرفين على إدارة هذه الأقسام، إذ اعتمد المركز طريقة جديدة في تسجيل التلاميذ عبر بوابته الإلكترونية، وتخضع ملفات هؤلاء التلاميذ الحاصلين على شهادة الباكلوريا بمعدلات مرتفعة في معظمهم، وفي شعب بعينها إلى عملية انتقاء أولي استنادا إلى النقط التي حصلوا عليها في مواد التخصص التي حصلوا عليها في اختبارات الباكلوريا،ثم يتم نشر قوائم بأسماء التلاميذ الذين أهلتهم نقطهم لأن يكونوا ضمن هؤلاء التلاميذ المتفوقين حسب الاستحقاق، فيتم نشر اللائحة الأولى ثم لائحتي الانتظار الأولى والثانية والثالثة، وفي حال عدم التحاق بعض التلاميذ لتأكيد تسجيلهم بهذا المركز أو ذاك، يتم الانتقال إلى اللائحة الموالية وهكذا دواليك،ويعبر جل التلاميذ عن رغبتهم في التسجيل في مراكز مختلفة ليضاعفوا حظوظهم في أن يجدوا لهم موطئ قدم في أحد المراكز، ويصادف أن تظهر أسماء بعض التلاميذ المتفوقين في قوائم مراكز مختلفة، فيقوم بعضهم بإجراءات التسجيل في أحد المراكز و ينتظر مسيرو المراكز الأخرى التحاقه بها، بل يحدث أن يتصلوا بولي أمره بالهاتف ليؤكد التسجيل، ومن المحقق أن هذه الطريقة في التسجيل تضاعف حظوظ التلاميذ في الالتحاق بأحد مراكز الأقسام التحضيرية، فيحصل أن لايظهر إسم تلميذ معين في مركز معين لكنه يظهر في قوائم المقبولين للتسجيل في مركز آخر.

ونحن نقترب من نهاية الشهر الثاني من السنة الدراسية ومازالت عملية التسجيل مستمرة دحتى يتم رفع عدد التلاميذ بالفصول الدراسية إلى مايربو عن الثلاثين تلميذا ويتم هذه الأيام تسجيل تلاميذ بمعدلات متدنية لاتتجاوز 13/20بل أقل من ذلك، وسيجد هؤلاء التلاميذ مشقة كبيرة لمواصلة دراستهم بالأقسام التحضيرية المعروف عنها كثافة البرنامج الدراسي و صعوبته البالغة، والأمر نفسه حصل في السنة الماضية وانتقل إلى السنة الثانية تلاميذ يجدون عناء شديدا في تلقي الدروس واستيعابها نظرا لضعف تكوينهم ومحدودية كفاياتهم المعرفية،وقد وصل خبر هذه الحالة المزرية بكل تأكيد إلى مدير المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، لكن لايبدو أنه يُلقي بالا لذلك، ومازال يدعو إلى ملء الفصول الدراسية بتلاميذ يفتقدون للمؤهلات الذي يفترض في تلميذ الأقسام التحضيرية التوفر عليها، إذ أن الكثير من التلاميذ الذين تتوفر فيهم تلك المؤهلات التحقوا بكليات الطب والصيدلة بعد أن اجتازوا مبارياتها بنجاح أو التحقوا بمدارس عليا عمومية للمهندسين وشرعوا بالدراسة بها ولم يعد بوسعهم أن يغادروا المؤسسات التي يدرسون بها ليلتحقوا بالأقسام التحضيرية.

ثم أن ثمة شوائب تعتري عملية التسجيل منها على سبيل المثال أن كثيرا من التلاميذ يقومون بكل إجراءات التسجيل بمركز معين، ثم بعد يوم أو يومين ينتقلون إلى مركز آخر دون مبرر مقنع، إذ أن المسافة بين هذين المركزين لايتجاوز كيلومترين أو ثلاثة، ومادام كل التلاميذ يقيمون في القسم الداخلي،فإن بُعْدَ المسافة عن أماكن سكناهم ليست مبررا مقبولا،ماداموا لايعودون إلى بيوت أسرهم إلا خلال عند عطلة نهاية الأسبوع، يلقي أستاذ الرياضيات أو الفيزياء مثلا درسه أمام مجموعة من التلاميذ، لكنه في الحصة الموالية، يجد نفسه أمام مجموعة أخرى من التلاميذ وعندما يسأل عن سبب غياب بعض تلاميذ الحصة السابقة، يكون الرد عليه:”لقد انتقلوا إلى مركز آخر.” قد نتفهم انتقال تلميذ عند بداية السنة الثانية إلى مركز آخر، لكن ما تفسير انتقال تلميذ من مركز إلى آخر، مع أنه لم يقض إلا يوما أو بضعة أيام في المركز الذي قام بتسجيل نفسه فيه.

كيف سيشتغل المدرس في ظروف تربوية ملائمة وهو يجد أمامه خلال كل حصة تلاميذ جددا رفقة عدد قليل من التلاميذ الذين حضروا خلال الحصةالسابقة، هل سينتقل إلى درس جديد أم يعيد إلقاء الدرس الذي ألقاه في الحصة السابقة؟ إنه وضع يضع المدرس في موقف لايحسد عليه، فيعتري عمله الارتباك والتردد والاضطراب،ونحن على مشارف الشهر الثالث من السنة الدراسية، ومازالت عملية التسجيل بطيئة ومتعثرة،لا لسبب وجيه، بل لأن مسؤولي المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب يستبدون برأيهم،هم الجالسون في مكاتبهم المكيفة متجاهلين معاناة المدرسين والتلاميذ اليومية، لقد تم تجريب هذه الطريقة في السنة الماضية وانكشفت عيوبها، فلماذا يتم الإصرار على تبنيها خلال السنة الدراسية الحالية؟

تعرف الأقسام التحضيرية بكونها أقساما تستقطب خيرة التلاميذ الحاصلين على شهادة الباكلوريا بامتياز وبأن إيقاع الدراسة بها مرتفع وبأن تدبير الزمن المدرسي فيها شديد الدقة، فالمدرس وتلاميذه ملزمون أن يجتهدوا جميعا لينهوا البرنامج الدراسي في الاجال المحددة وكل تهاون أو تراخ من شأنه أن يربك حسابات الجميع، لكن مانشهده اليوم أن تدبير الزمن المدرسي لم يعد له أي قيمة تذكر إذ يُهْدر برعونة واستخفاف مُخْجلين، فلقد تمت برمجة مايسمى ب” تقوية الكفايات اللغوية ” Renforcement des compétences linguistiques في بداية السنة الدراسية الفارطة وهي ترمي إلى تجويد الأداء اللغوي للتلاميذ في اللغة الفرنسية، ولتوزيع التلاميذ إلى مجموعات تبعا لمستواهم في اللغة الفرنسية فإنهم يخضعون لرائز test de positionnement للوقوف على مستواهم قبل إلحاقهم بهذه المجموعة أو تلك، ومنذ 5 من شهر شتنبر وهو بداية السنة الدراسية، يلتحق بالسنة الأولى كل أسبوع تلاميذ يتم إخضاعهم للرائز المشار إليه أعلاه، وفي الأسبوع الموالي، يحضر تلاميذ آخرون يخضعون بدورهم أيضا للرائز نفسه ولم يستقر إلى اليوم الأساتذة المنوطة بهم تدريس هذه المادة المستحدثة على عجل على شكل المجموعات وعدد أفرادها من التلاميذ، إذ أن في جل مراكز الأقسام التحضيرية، لم يُلْق فيها إلى اليوم أي درس من هذه المادة، رغم تحفظ معظم الأساتذة حول هذه المادة ومضامينها وجدواها التربوية.

قبل سنتين فقط، كان أساتذة الأقسام يلقون درسهم الأول أثناء الحصة الأولى من السنة الدراسية، لأن الجدية والبذل والعطاء والمواظبة وتدبير الزمن العقلاني هي مفاتيح التفوق في هذه الأقسام،أما اليوم، فسندخل الشهر الثالث من السنة الدراسية، ولايبدو في الأفق مايسر، ومازال الأساتذة ينتظرون متى تنتهي عملية التسجيل التي طالت أكثر مما ينبغي، لينتهي هذا العبث وليتمكنوا أن يشتغلوا في مناخ تربوي سليم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال