قاعة الأساتذة: تخييل ذاتي




استعادت قاعات الأساتذة بعض المعنى مذ طرح ابن موسى نظامه الأساسي؛ استعادت معناها كفضاءات للمناقشة والمحاورة الخلاقة، لقد جثمت عليها طويلا نقاشات زيت الزيتون في نونبر ونقاش الأسماك في رمضان، ونقاش الاسمنت البارد وشقق السكن الاقتصادي وتجزئات ووداديات الأرض، تلك النقاشات الباردة التي يتخللها في الصيف التذمر من الحرارة وفي فصل الشتاء الشكوى من البرد القارس ومن موجات الزكام، والتي تنتهي بالتسليم والإقرار بأن ابن آدم ضعيف. قبل ذلك، كان مغامرة أن تتحدث في شيء غير مبرمج بحسب زمنية القاعة التي يتبدل فيها الكلام بتعاقب الفصول وما تنبته الأرض من بقول وعدس وزيتون وبطيخ في السنوات الأخيرة، ثمة إجماع أن زيت العطاوية جيد وأن بطيخ طاطا ألذ وأشهى .. زمنها الذي يتكلف فيها المزاج العام بتسيير التدخلات، كان الفايد ضيفا على قاعة الأساتذة وعمرها طويلا فكان الاعتراض عليه زعزعة عقيدة ومروقا، وصفاته على وجه الخصوص. كانت جملة " تانتا مسالي " أو" النقابات باعوا الماتش" أو "ماكاين مع من " و" ماكاين مع من تبني القبيلة" " أودي الواحد إديها فراسو فهاد الزمان" جملا يشهرها المزاج العام في وجهك بدون مناسبة، فتكف عن الكلام وتدوزن لسانك حسب الإيقاع لتساير، وتدخل ظرفك كأي رسالة متأخرة ... كأي أعزل. في المغرب عندما يتعلق الأمر بالنقابات وبالأحزاب تسمع عبارة باعت الماتش، اللعب جماعي بالضرورة ولا مكان للألعاب الفردية، أما الفرد فيكفي لتوصيفه " قلب الفيستا وبدل الجاكيط"، أن تقلب الفيستا، يعني في كثير من الحالات أن تقرر التفكير بشكل نقدي، ثم ما الحكمة من أن تبقي على اللباس ذاته، تلك صورة المناضل في المخيال، زاهد ومتصوف يرتدي دربالته يمارس حلوله ويرتقي المعابر... غجري ومجذوب.
ماذا بوسعك أن تفعل إزاء طواحين الهواء الرقمي ووصفات الفايد، وما الذي يمكن أن تفعله إزاء صوت العدم، سؤالك الذي ينز قلقا، وماذا بوسعك أن تفعله وأنت تدري أن أدلة النفي بعدد أدلة إثبات الوجود. لتؤكد وجود هذا " الشيء" الذي يدخل في باب اللزوميات.... ثم ما هذه القبيلة التي صارت رميما، وأحالها الزمان طللا نسيا منسيا، هذه القبيلة التي تقفل الكلام، هذه القبيلة التي يجب أن لا يذهب ريحها، تلك التي تسكن في الأعماق. ويقف على طللها نثر شفوي مع حسن التخلص إلى السالف أعلاه. وتبدو في كل الحالات كما لو أن رأسك ليس في مكانه، رأسك الذي ينبغي أن تكون رحيما به، وأن تدخل سوقه.... ولا تدري هل تصدق الرأس الترابي الذي يقول لك ثم إن الناس طوب وحجر لتكابر، أم تصدق الرأس المائي الذي يهمس إنهم مسقيون بمغرفة واحدة....فتحجم.
لا تدري هل تنساب مع الماء ووعده أقوى، أم تغلق شرفة النظر من خيال العناصر، لأن السيد غاستون باشلار كتب عن التحليل النفسي للنار لا الرماد.
الذين كانوا في تلك البقاع قبلنا وتحدثوا في سيرة المكان عرضا، نثروا شيئا عن حسن التخلص مما أبصرته العين معايشة لا توهما، وما حفظه الخاطر تحسرا عن أزمنة البهاء في الخطاب الكنتي، قبل أن يأتي فصل دلائل الإعجاز في بداية الألفية وأهوال القبور وفقه البنوك ومثالب الربا، ويليه فصل الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ومتاع الغرور، إلى فصل الحيرة الذي يقتضي التنسيب. وكذلك كان ....
الأستاذ: أحمد بوزيد

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال