تقرير تحليلي مفصل: التقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمشروع "المدارس الرائدة" بالمغرب

 


تقرير تحليلي مفصل: التقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمشروع "المدارس الرائدة" بالمغرب

الفجوة الكبيرة في تقرير مدارس الريادة تتجلى في ضعف التأطير التربوي و التعليم الصريح حسب وثيقة التقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمشروع " مدارس الريادة" و هنا التفاصيل الكاملة :



تقرير تحليلي مفصل: التقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمشروع "المدارس الرائدة" بالمغرب

إعداد: خبير في تقييم المنظومات والسياسات التعليمية، وهندسة البرامج والمناهج، والهندسة البيداغوجية والديداكتيكية.


تاريخ التحليل: 26 مارس 2026

المرجع: التقرير الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (أبريل 2025).


الملخص التنفيذي


يقدم هذا التقرير تحليلاً نقدياً للتقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمشروع "المدارس الرائدة" الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب. يهدف المشروع إلى تحسين جودة التعلمات الأساسية (القراءة والرياضيات) عبر اعتماد مقاربتي "التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL)" و"التعليم الصريح"، مع تحسين البنية التحتية والحكامة المدرسية.


أظهر التقييم، الذي شمل 626 مدرسة ابتدائية خلال السنة الدراسية 2023-2024، نتائج إيجابية على المستوى العام، حيث بلغ متوسط مؤشر التطابق 79 نقطة من أصل 100. ومع ذلك، كشف التقرير عن تفاوتات كبيرة بين المؤسسات والجهات، مما يشير إلى تحديات هيكلية في التنفيذ. من أبرز النتائج:


· فعالية مقاربة TaRL: ساهمت بشكل كبير في تحسين مستوى التلاميذ في الرياضيات والفرنسية خلال فترة قصيرة (شهرين).

· تحدي استدامة التعلم: شهدت مرحلة "التعليم الصريح" (الأطول زمنياً) تباطؤاً في وتيرة التقدم، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على ترسيخ التعلمات المستدامة.

· فجوات في التأطير التربوي: وجود فروق شاسعة بين الوسطين الحضري والقروي في وتيرة الزيارات التفتيشية (82 نقطة في الحضري مقابل 47 نقطة في القروي) يشكل عائقاً رئيسياً أمام جودة التعليم.

· تفاوتات جهوية وداخل الجهات: تراوحت درجات التطابق بين 69 و86 نقطة على المستوى الجهوي، مع وجود تباينات حادة داخل الجهة الواحدة.


يخلص التقرير إلى أن المشروع حقق نجاحاً في مرحلته التجريبية، لكن توسيعه يتطلب معالجة الفجوات في الحكامة المركزية المفرطة، وضعف التأطير التربوي، وعدم كفاية النموذج البيداغوجي (الذي يركز فقط على المعارف الأساسية) لتحقيق أهداف الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي تشمل الابتكار والتفكير النقدي.


أولاً: منهجية التقييم


تميزت المنهجية المعتمدة من قبل الهيئة الوطنية للتقييم بالشمولية والدقة العلمية، مما يعزز مصداقية النتائج.


1. الإطار المرجعي: اعتمد التقييم على نفس المحاور الثلاثة الرئيسية للمشروع (المؤسسة، الأستاذ(ة)، التلميذ(ة))، والتي تم تفصيلها إلى 12 بُعداً و 42 بُعداً فرعياً، مما أتاح تغطية شاملة لمكونات المشروع.

2. الأدوات المتعددة: تم استخدام مزيج من أدوات جمع البيانات لضمان الموضوعية:

   · استبيانات: للمديرين والأساتذة حول الحوكمة والممارسات.

   · شبكات الملاحظة: لتقييم البنية التحتية، النظافة، والسلامة.

   · الاطلاع على الوثائق: للتحقق من صحة البيانات الإدارية والتربوية (دفاتر الكفايات، مشاريع المؤسسات).

   · اختبارات موحدة (ASER): لقياس مستوى التلاميذ في اللغات والرياضيات بطريقة موضوعية قابلة للمقارنة.

3. العينة الإحصائية: تم اختيار العينة بطريقة عشوائية منهجية شملت 8,726 تلميذاً وتلميذة، مع مراعاة التمثيلية حسب الوسط (حضري/قروي)، الجهة، الجنس، والمستوى الدراسي، مما يضمن تعميماً إحصائياً صحيحاً.


ثانياً: تحليل نتائج التقييم حسب المحاور الرئيسية


1. محور "المؤسسة": بنية تحتية وحوكمة متفاوتة


· الفضاءات المادية: حقق هذا البعد معدلاً مرضياً (78 نقطة)، مع تفوق الحضري (81) على القروي (74). نقاط الضعف: النظافة والصيانة، خاصة في المرافق الصحية التي سجلت أدنى الدرجات (40-59 نقطة) في جهات مثل سوس-ماسة وطنجة-تطوان-الحسيمة، بالإضافة إلى ضعف الربط بشبكة الإنترنت (77 نقطة) مقارنة بالكهرباء (94 نقطة).

· القيادة والتدبير: بلغ المعدل العام 80 نقطة، لكنه يخفي فجوات كبيرة. أبرز التحديات: إدارة الاكتظاظ (59 نقطة) وعقد الاجتماعات الأسبوعية للفريق التربوي (62 نقطة). يظهر هنا خلل في ممارسات القيادة التربوية التي تعتبر محورية لنجاح الإصلاحات.

· الأمن والنظافة: حقق أعلى معدل (85 نقطة) في هذا المحور، مما يعكس اهتماماً متزايداً بالجوانب الأمنية. لكن خدمة الحراسة في الوسط القروي (61 نقطة) لا تزال تمثل تحديًا.


2. محور "الأستاذ(ة)": قوة الممارسات مقابل ضعف التأطير


هذا المحور يمثل نقطة التحول الرئيسية في نجاح المشروع أو فشله.


· الممارسات التربوية (المؤشر الأعلى): سجل هذا البعد أعلى معدل (86 نقطة)، مما يؤكد نجاح الأساتذة في تطبيق مقاربتي TaRL والتعليم الصريح داخل الفصول الدراسية. هذه نقطة قوة كبرى تعكس جاهزية الأطر التربوية لتطبيق منهجيات جديدة.

· التأطير والمواكبة التربوية (أكبر فجوة): هنا تكمن أكبر نقطة ضعف. بلغ المعدل الوطني 60 نقطة فقط، مع فجوة صارخة بين الوسط الحضري (68) والقروي (48). تعكس هذه الفجوة خصوصاً في وتيرة الزيارات الأسبوعية للمفتشين (82 نقطة في الحضري مقابل 35 في القروي) أزمة حقيقية في العدالة المجالية. المفتش، بدلاً من أن يكون مرافقاً وموجهاً، يبقى بعيداً عن مدارس القرى.

· الموارد التربوية: معدل مرتفع (79 نقطة) بفضل تجهيزات الفصول، لكن ركن القراءة سجل ضعفاً شديداً (54 نقطة)، مع عدم امتلاك 21% من المؤسسات له أصلاً. هذا يعكس قصوراً في تعزيز ثقافة القراءة المستقلة.

· التكوين والإشهاد: بلغ متوسط التكوين في TaRL (73) أعلى من التعليم الصريح (66)، مما يشير إلى أن الوزارة ركزت بشكل أكبر على المقاربة العاجلة (المعالجة) مقارنة بالمقاربة الوقائية المنهجية.


3. محور "التلميذ(ة)": مكاسب ملحوظة وتحديات في الاستدامة


· الدعم ومعالجة الصعوبات (أفضل أداء): حصل على أعلى معدل (87 نقطة)، مما يعكس فعالية برامج الدعم الموجهة للتلاميذ المتعثرين. لكن فحصاً دقيقاً يكشف عن تفاوتات جهوية في وجود لائحة محدثة للتلاميذ المتعثرين (40 نقطة في الداخلة-وادي الذهب).

· احترام زمن التعلم: المعدل 76 نقطة، لكن المشكلة تكمن في تدبير غيابات التلاميذ (71 نقطة) مقابل احترام الأساتذة لزمن التدريس (81 نقطة). غياب 70% من المؤسسات عن حالات غياب ممتد للتلاميذ (أكثر من 6 أيام) يشير إلى تحديات خارج المدرسة (مرض، مشاكل أسرية) تؤثر على الانتظام.

· العلاقة مع أولياء الأمور: معدل جيد (82 نقطة) يعود بشكل أساسي للتواصل حول النتائج (91 نقطة)، بينما يضعف وجود جمعيات آباء نشطة وفعالة (77 نقطة).


ثالثاً: تقدم مستوى التعلمات (ASER): قصة مرحلتين


هذا الجزء هو الأكثر أهمية من الناحية الديداكتيكية، حيث يقيس الأثر الفعلي للمشروع على التلاميذ.


· المرحلة الأولى: تدخل TaRL (شتنبر - نونبر): حققت نجاحاً باهراً. في شهرين فقط، تم تسجيل تحسن كبير، خاصة في الرياضيات (67% من التلاميذ تحسنوا) والفرنسية (62%). هذا يؤكد فعالية هذه المقاربة في معالجة التعثرات السريعة والحادة.

· المرحلة الثانية: التعليم الصريح (نونبر - ماي): رغم طول مدتها (6 أشهر)، أظهرت نتائج محدودة جداً. بلغت نسبة التحسن في العربية 50% فقط، مع تسجيل استقرار أو حتى تراجع في بعض المستويات العليا. الخلاصة البيداغوجية: لعب TaRL دور المعالج السريع، لكن التعليم الصريح لم ينجح في تحويل تلك المكاسب إلى تعلمات مستدامة ومتقدمة، خاصة مع تقدم المستويات الدراسية (من الرابع إلى السادس).

· التحدي الأكبر: تراكم التعثرات: تظهر النتائج بوضوح أن التحدي الأكبر يواجه التلاميذ في المستويات العليا (الرابعة إلى السادسة) الذين راكموا تعثرات في السنوات الأولى. يوضح التحليل (ص 56-58) أن نسبة كبيرة من هؤلاء التلاميذ إما حافظوا على مستوى منخفض أو تراجعوا، مما يثبت أن معالجة التعثرات يجب أن تتم في مرحلة مبكرة (السنوات الأولى) لضمان فاعليتها.


رابعاً: التحليل المقارن بين المدارس الأعلى والأقل أداءً


تكشف هذه المقارنة عن العوامل الحاسمة للنجاح:


1. العوامل ذات الفارق الأكبر (أساسية للنجاح):

   · المواكبة التربوية: الزيارات الأسبوعية للمفتشين (فارق 62 نقطة).

   · إدارة الفصل: تفعيل مكتبات الصف (أركان القراءة) (فارق 48 نقطة).

   · الدعم الفردي: التكفل بالتلاميذ المتعثرين (فارق 38 نقطة) وتفعيل الأنشطة الموازية (فارق 37 نقطة).

   · الحوكمة المالية والإدارية: التدبير المالي الجيد وخدمات الحراسة (فارق 28 نقطة).

2. العوامل ذات الفارق الطفيف (عوامل أساسية متوفرة لدى الجميع):

   · التجهيزات المادية للمؤسسة.

   · تطبيق منهجية التعليم الصريح في الفصل.

   · قياس مكتسبات التلاميذ بشكل موضوعي.

   · دلالة ذلك: المدارس الأقل أداءً تمتلك غالباً الأدوات (التجهيزات) وتعرف المنهجيات (التعليم الصريح)، لكنها تفتقر إلى الدعم (التأطير التفتيشي) والسياق التنظيمي (الحوكمة) الذي يحول هذه المعرفة إلى ممارسة فعالة.


خامساً: التحديات الرئيسية أمام التعميم


يحدد التقرير تحديات بنيوية تتجاوز مجرد التوسع الكمي:


1. التأطير التربوي: العدد غير الكافي للمفتشين، خاصة في المناطق القروية، يجعل من الصعب تنفيذ وتيرة الزيارات الأسبوعية المطلوبة. هذا التحدي سيزداد حدة مع التعميم.

2. الفوارق المجالية والترابية: وجود فجوات بين وبين وداخل الجهات يتطلب سياسات مرنة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية، بدلاً من نهج مركزي موحد.

3. النموذج البيداغوجي: التركيز فقط على المعارف الأساسية (القراءة والرياضيات) لا يتوافق مع الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي تدعو لتطوير كفايات القرن الحادي والعشرين (الابتكار، الإبداع، التفكير النقدي). المشروع، كما هو مطبق، لا يقدم إطاراً مرجعياً شاملاً للجودة ولا يحدد الكفايات المطلوبة في كل مستوى.

4. هيكلة المواد التعليمية وتوحيدها: التوجه نحو توحيد الممارسات قد يحد من مرونة الأستاذ في تكييف منهجيته مع احتياجات التلاميذ المتنوعة، مما يشكل عائقاً أمام تحقيق مبدأ الإنصاف.

5. الحكامة المركزية المفرطة: على الرغم من أن النصوص القانونية تدعو إلى لامركزية أكبر (رؤية 2030، القانون الإطار 51-17)، فإن تنفيذ المشروع ما يزال مركزيًا للغاية في التوجهات الاستراتيجية والمناهج وآليات التقييم، مما يحد من دور الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية والمديرين في التكييف المحلي.


سادساً: التوصيات الاستراتيجية


استناداً إلى التحليل، يمكن صياغة التوصيات التالية لتحقيق تعميم ناجح ومستدام:


1. تطوير نموذج بيداغوجي شامل:

   · دمج الكفايات العرضانية: إثراء نموذج "المدارس الرائدة" ليشمل أنشطة تعزز التفكير النقدي، الإبداع، والمواطنة، تماشياً مع الرؤية الاستراتيجية.

   · بناء إطار مرجعي للجودة: وضع معايير واضحة للكفايات في كل مستوى دراسي وآليات لتقييمها، بدلاً من الاعتماد على التوحيد الصارم للمواد فقط.

2. معالجة الفجوة في التأطير التربوي:

   · تعزيز دور المفتش: تحويل وظيفة المفتش من مراقب إداري إلى مرافق بيداغوجي، مع التركيز على الزيارات الميدانية الأسبوعية.

   · إعادة النظر في توزيع الموارد: تخصيص ميزانية إضافية لتعويض النقص في أعداد المفتشين، خاصة في المناطق القروية الأكثر احتياجاً.

3. تعزيز الحكامة التشاركية واللامركزية:

   · تفعيل دور الأكاديميات والمديريات: منح صلاحيات أكبر للأكاديميات الجهوية لتكييف البرامج والميزانيات وفق الخصوصيات المحلية.

   · تمكين مديري المؤسسات: تحويل مدير المدرسة إلى قائد تربوي حقيقي من خلال تدريبه على الحوكمة التشاركية، إدارة الموارد البشرية، وقيادة المشاريع.

4. مراجعة استراتيجية استدامة التعلمات:

   · التكامل بين TaRL والتعليم الصريح: يجب ألا يتم التعامل مع TaRL كمرحلة معزولة، بل كأساس لانطلاق عملية تعلم منهجية ومنظمة وفق التعليم الصريح. يجب مراجعة كيفية الانتقال بين المرحلتين لضمان استمرار ديناميكية التقدم.

   · التركيز على المستويات المبكرة: ضرورة تكثيف الجهود في السنوات الأولى (الأولى، الثانية، الثالثة) لمعالجة التعثرات مبكراً ومنع تراكمها في المستويات العليا.

5. تعزيز الشراكات المجتمعية:

   · إشراك الجماعات المحلية والقطاع الخاص: تطوير شراكات لتحسين البنية التحتية (خاصة المرافق الصحية والربط بالإنترنت) ودعم الأنشطة الموازية، بما يقلل العبء على الميزانية العامة للدولة.

6. تطوير نظام تقييم متكامل:

   · التكامل بين التقييم الذاتي والخارجي: تحويل التقييم الذاتي إلى أداة حقيقية للتحسين المستمر، وربط نتائج التقييم الخارجي بوضوح بتدخلات تصحيحية ملموسة على المستوى المحلي والجهوي، لضمان قياس الأثر وليس فقط قياس الأداء.


خاتمة:

مشروع "المدارس الرائدة" يحمل في طياته إمكانات كبيرة لإحداث نقلة نوعية في التعليم الابتدائي بالمغرب، وقد أثبت ذلك في مرحلته التجريبية. لكن نجاحه الكامل واستدامته يعتمدان على القدرة على تجاوز التحديات البنيوية المرتبطة بالحكامة والتأطير التربوي، وتوسيع النموذج البيداغوجي ليتجاوز مجرد المهارات الأساسية إلى بناء متعلم متكامل وفق رؤية 2030.


- التقرير التقييمي المفصل والتقرير المنهجي  على موقع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.


https://www.csefrs.ma/publications/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac%d9%8a-%d9%84%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85/

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال